الأحد، 26 يناير 2014

"النورس جوناثان"


"النورس جوناثان"


منذ أيام قليلة، قد وقع في يدي كتاب "النورس جوناثان" وهو كتاب يعود تاريخ صدوره إلي 1974 لـريتشارد بخ، وقد امتعني كثيراً، وشعرت بالفعل أني أحلق مع النورس المناضل جوناثان، الذي يري أن للحياة هدف أسمى من كونها فقط ..للاستيقاظ للبحث عن الطعام، والشراب، ثم العودة في نهاية اليوم إلي النوم، وتمضي الحياة هكذا، فكان ذا رؤية واسعة، وساعده حماسة ورغبته المتقدة علي المضي قدماً في تحقيق ما يتمناه من الحياة، وفقاً لمنظورة هو، وليس بمنظور والداه، الذين كانا في غاية الاستياء، مما يفعل ابنهم، ويريان أنه لا جدوي مما يفعل سوي أنه أصبح الآن عظام وريش لأنه يجهد نفسه، وبشكل يومي في التحليق عالياً، ولا ينشغل بالتهافت علي الطعام، كما يفعل أقرانه من النوارس الآخرين، حيث أنه ري أنه لابد للحياة من أن تكون أعمق وأكبر من كونها فقط لحياة الجسد من مأكل ومشرب، واللهاث ورائه، وما دون ذلك ليس له جدوي، انما كان له رؤية خاصة، بالطبع قد كلفته الكثير، عاني فيها الصعاب المرار، حتي انتهي به الأمر أن طرد من القبيلة التي ينتمي اليها، إلي جزيرة نائية، حيث أنه خالف بأفكاره الشاذة، قوانين "جماعة النوارس" .

وكم الصعوبات التي كادت تودي بحياته بعد كل محاولة فاشلة يقوم بها، للارتفاع أكثر فأكثر، فيهوي مع الريح، منكباً علي رأسه، فتصيبه صدمة الآلام، بخلخلة في مبادئه، وتجعله يتشكك في أمره اهو علي صواب أم سربة كان علي حق، وان ما يفعله ما هو الا حمق عظيم، ويظل في حاله ثوره مع نفسه، وصراع داخلي، الا أن يأتي شيء في الوقت المناسب، وهذا الشيء ربما يكون فكرة جديدة لإعادة التجربة مرة أخرى، ولكن بناء علي أسس منطقية، أو يكون هذا الشيء ربما علامة تلمع له في الآفق، ليعاود مرة أخري، ولكن هنا لست في فيلماً ساذجاً، تجد فيه أنه بعد المحاولة مرة وربما اثنين، تحصل علي ما تريد، ويتحقق المراد ..إنما هي مرات كثيرة من المحاولات المضنية، والإصرار عليه (هكذا هي الحياة ..محاولات كثيرة).

إلي أن تكون مكافئة الله له، بعد كل ذلك أن يفتح الله عليه ويجعله يري ما لا يراه الآخرون من بني جلدته من النوارس ..وفي كل مرة ينجح فيها، كان يزداد طموحة أكثر فأكثر ويضع فيها لنفسه، تحدياً أكبر وهكذا وصل إلي أن راءته بعض النوارس من قبلته، حينما عاد بعدما نفي من جزيرته ولكن ليس بدافع الانتقام كما يفعل أصحاب النفوس المريضة ولا بدعوة من أحداً من قبلته بل علي العكس معني عودته مرة أخرى بعدما حكم عليه مجلس جماعة النوارس بالنفي معناه موته وقتله .

وإنما بدافع من رسالته السامية فهو أراد ن ينير عقول قبيلته ويريهم ما عميت أبصارهم عنه من جمال الحياة وأنها ليست فقط محصورة علي الطعام والشراب إنها اعظم بكثير من أن يكون هو ذاك الغرض منها وما أن شاهدوا كيف يحلق علي أبعاد سحيقة بالنسبة لهم وسرعات تفوق سرعاتهم بأميال حتي ذهلوا وظنوا أنه إما عفريتا أو أنه اله() ..وظل هكذا النورس يحلق أعلي فأعلي ..وأسرع فأسرع ..حتي أستطاع أن يغري بعض النوارس، التي كانت تأتي إليه فرادي، ومتسللة، خوفاً من العقاب الذي سيحل بها إذا علم مجلس النوارس بذلك ..وظل النورس جوناثان صاحب الهدف العظيم ..يعلم كل من أراد أن يتعلم منه كيف تكون الحياة غير مبالِ، لا بعقاب، ولا بغضب القبيلة عليه، مادام علي صواب..

أليست هذه القصة، هي قصة البشر، بكل حذافيرها؟! وهو سيناريو مكرر، في كل العصور، فقد أعجبني كثيراً رمزية القصة، وسلاستها، وصغر حجمها، وامتلائها بالكثير من صور الحياة، وتناولها لها بشكل مبسط.. علي الرغم من أنى بعدما قرأتها وفتحت موقع "الجودريدز" لكي أقيمها وجد أن أغلب التقييم هو نجمة واحدة من خمس! وعندما قرأت أراءهم، وجدت أن أغلبهم يرجع ذلك إلى أنها تصلح قصة أطفال وليست للبالغين! ولا أعرف ما المعاير التي قاسوا عليها ذلك لكي يخرجوا بهذا التقييم، وظني أنهم لم يفهموها، أو ربما قد قرأت، بمنظور سطحي أو ربما لرمزيها، ربما لأنه الأسلوب الأغلب المتبع مع الأطفال لتعليمهم قيم ما (زي الأرنب والسلحفاة كده).. ولكني أري على العكس، تماماً، فما أعطاها مذاقاً شيقاً، هي تلك الرمزية، التي جعلتني أحلق، واسبح مع النورس في عالم من الخيال، والا إذا ما الفرق ينها وبين.. تلك الكتب التي تدعي (تنمية بشرية).. التي تخبرك بشكل مباشر ومستفز في نفس الوقت أنك على ما يرام، وكل شيء بخير (أنت جميل) ...

وهنا تذكرت شيء كنت قد كتبته من قبل في مذكراتي الشخصية عن هذه النوارس.. وهي مدونة لي بعام 2006.. حيث كان دائماً ما يثير انتباهي، تلك الطيور الغريبة التي لا تظهر الإ في فصل الشتاء، وعلى الشاطئ بأجنحتها البيضاء الطويلة وجسمها الأبيض المطعم أحياناً بالأسود.. وأحب أن تشاركوني إياها.. علي سذاجتها إلى حد ما.. ولكني كنت صادقة حينما كتبتها..

من مذكراتي:


"في مقدمة الشتاء ..تتبدل الألوان وتصبح الأشجار أكثر خضرة وبها حياة بعدما روي ظمأها الشتاء بعد شهور طويلة من الجفاف ..وفي مقدمة الشتاء أيضاً ..أري تلك الطيور ذات الأجنحة الطويلة نسبياً ..والتي لم تسبق لي معرفة بها من قبل ..ولكن نحن في فصل الشتاء نصبح أعز أصدقاء ..علي الرغم من اني لا أعرف أسمها (وقت كتابتها)..ولا هي تعرف أسمي ولكن هذا لن يؤثر مطلقاً علي علاقتنا. فنحن نعرف كيف يتواصل كل منا مع الآخر.. دون الحاجة إلي تلك الشكليات التي يحتاجها البشر لكي يستطيعوا التواصل فيما بينهم.. وبرغم اختلاف الوسط الذي يعيش فيه كل منا. فهي تحلق عالياً كالملائكة في السماء.

 وأنا أسير على الأرض كالبشر.. ولكن لم يكن هذا أيضاً عائقاً.. بل على العكس فنحن في حالة تكامل تام. وبرغم اختلاف الإطار الخارجي الذي يغلف كل منا.. وبرغم بعد المسافات بيننا.. واختلاف الأحجام والألوان في ناظر كل منا.. الا أن هذا أيضاً لم يؤثر.. علي عكس قوانين البشر فبرغم من اتفاقهم في الكثير من الأشياء مع بعضهم البعض.. الإ أنهم لم يستطيعوا أن يتواصلوا معاً كتواصلنا.. والسر في ذلك يرجع في التناقضات بيننا فهي سر تكاملنا وانسجامنا.. وفي الختام لكي مني سلام يا ذات الأجنحة البيضاء، الممددة في الهواء بحثاً عن الحرية
وربما لذلك أيضاً قد أسعدني أن أجد كتاباً عن هذه الطيور الصديقة (النوارس).


ومن خلال بحثي على اليوتيوب.. وجدت فيلماً رائعا طابق كثيراً ما رسمته في مخيلتي عن النورس والمحاولات والمتاعب التي تعرض لها بغض النظر عن اللغة والتي أظنها اسبانية.. الا أنه فيلم رائع يستحق (التأمل) وليس فقط المشاهدة. ونتمنى لكم مشاهدة ممتعة.

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تدوينات مميزة