"دائماً
ثمة شيء جميل"
ككل يوم
حينما يبدأ العام الدراسي. حينما أذهب الي مكان الدراسة.. بعدما أحمل جسدي الذي
يبدو لي في تلك الأيام كشيء ثقيل على أن احمله واتحمله ففي بلدنا، لأجل أن تصل لوجهتك..
عليك أن تقوم بمغامرة بداية من أن تجد الوسيلة التي تقلك من مكانك الحالي الي
المكان المقصود. إلى أن تصل بالسلامة.. لذا في تلك اللحظات بالتحديد أشعر ان جسدي
صار حملاً ثقيلاً علي، اذن لو كنت بدون جسد الآن، ما كنت سأحتاج لوسيلة تقلني إلى حيثما
أريد.. وكم من المرات تمنيت ذلك أن اصير روح بدون جسد، لكثرة معاناتي!
الي أن أصل الي أقرب مكان لأصل الي جامعتي.. علي أن أترجل من الوسيلة التي تقلني.. لكي أسير.. في طريق لا يبعد كثيراً عن الجامعة.. وهو أكثر جزء بالرحلة افضله. حيث أسير في طريق الي حد كبير.. نظيف.. ليس به ما يسئ لنظري.. ويتسم بالهدوء الي حد ما.. وليس به مارة كثيرين.. الا من تلاميذ المدرسة التي تقبع في هذا الطريق.. وبعض الطلبة من أمثالي.. حيث أخذ الجانب الأخر دائماً في السير.. حيث الطريق جانبان. جانب تظله الأشجار.. وهو ما يفضله المارة دائماً.. حتى يحتموا من حرارة الشمس.. اما أنا فأفضل الجانب الآخر الذي تكون فيه الشمس بدون ظل الأشجار.. كي يتثنى لي أن أستأثر بنفسي.. واسير معها وبيدي كتبي ومذكراتي.. بين يدي وقد أخذتها بين أحضاني.. لا اعرف.. ربما لأني أحب الكتب والورق.. فدائماً أبقيها بالقرب مني قدر الإمكان.. أو ربما هي التي أحبت رفقتي.. حتى صرنا كالمحبوبين :)
وأسير وتسير الطيور من فوقي، تخفف عما أحمل في
قلبي من أعباء وتؤنس وحدتي.. لا التفت لأحد.. ولا أحد يلتفت لي.. فليس بي ما يلفت
الي الأنظار.. وكذلك المارين على الجانب الأخر ليس بهم ما يدعوني لألتفت إليهم..
الي ان مرة من المرات.. التي كنت في نفس طريقي.. سمعت صوتاً من الجانب الأخر..
يقول "صباح الخير".. فالتفت لأنظر.. واذ برجل طاعن السن.. يقف على
الجانب الأخر.. علي باب مدرسة (عرفت أنه: حارس تلك المدرسة).. محني الظهر.. وكأن
الزمان حط عليه من الأحمال والأثقال.. ما يمنع ظهره أن يستقيم مرة أخري! ولكن لم
يكن هذا فقط ما لفت انتباهي.. انما لفت انتباهي ايضاً.. انه بعيب خلقي.. حيث له
ساق أقصر من الأخرى.. ووجده واقفاً ينظر لي ويوجه جملته هذه لي! فلم يكن بالطريق غيري.
وعلي وجه ارتسمت ابتسامة.. ويداه مرفوعتين.. وقد أخذ وضع الدعاء.. وكأنه بهذا
المشهد أراد أن يقول لي.. لا بأس فالحياة أبسط مما تحملينها هكذا.. ما خلقنا لنكون
معذبين.. وبرغم كل ما هو فيه.. وبرغم فقره.. الا انه مازال قادر علي الابتسامة..
وقادر على العطاء.. فقد أهداني ابتسامة لن انساها.. فهي جل ما يملك.. ولكنه لم
يبخل بها على أحد.. حتى لو كان أحد مثلي.. يسير على الجانب الأخر غير مبالِ لا به
ولا بغيره! وبرغم عدم استيعابي للموقف ان ذاك.. وبناء عليه أكملت سيري في طريقي..
وكأني لم أسمعه. ولكن وجدتني أشعر بسعادة بالغة رغم همومي التي كنت أسير بها وقتها..
ووجدتني أبتسم!
وباليوم التالي تكرر نفس الموقف تقريباً..
وأكملت في طريقي ولم ألتفت اليه.. ولم أجبه.
وصار
دائماً كلما رأني.. يقول لي "صباح الخير" وبنفس الابتسامة.. برغم أنه لا
يعرفني ولا يراني الا في ذلك الطريق فقط عندما أمر من أمامه. فأعتدت عليه.. وصار
كلما يقول لي جملته هذه كل صباح.. أرد عليه فقط بابتسامة.
الي ان جاء
يوم ولم اجده في مكانه.. ويوم.. ويوم أخر. الي ان قررت أن اغير عادتي.. وأسير على
الجانب الأخر حيث كنت أشاهده كل يوم.. كي أبحث عنه بعيني وأنا امر من أمام المدرسة..
لعله يكون جالس هنا.. أو هناك.. ولم أجده.. فقررت أن أسأل عنه.. لأجده قد فارق الحياة!
ولم أشعر بحالي لكم أصابني الحزن وقتها.. وسرت في طريقي أبكي وأنتحب كالطفل الصغير
الذي ضل طريق أمه! وجدتني أتمني لو أنه يعود مرة أخري للحياة ..فقط كي أرد علي
تحيته التي كان يلقيها علي كل صباح!
فدائماً
ثمة شيء جميل.. في وسط كل شيء صعب ومرير.. هذا كان درس هذا العجوز لي.. رحمة الله.
ورحم كل من كان مثله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق